السيد عبد الأعلى السبزواري
364
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
الحرث : هو تهيئة الأرض للبذر وإلقاؤه فيها وزراعتها ويطلق الحرث على المحروث قال تعالى : أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ [ القلم - 22 ] ، وقال تعالى : وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ [ البقرة - 205 ] . ولفظ أنّى من المبهمات سواء في الزّمان أو المكان ولكن استعماله في الزّمان أشهر . وقيل باستعماله في كلّ منهما في المقام أي أين شئتم ، أو في أيّ محلّ شئتم ، ولكن من إيكال الحكم إلى المشيئة - وهي غير محدودة بحد إلا ما نهى عنه الشرع - يستفاد التوسعة في إتيان النساء من حيث المكان والزمان . وذكره بعد اية المحيض لأجل بيان خروج زمان الحيض فإنّه لا استعداد فيه للحرث وغشيان النساء لأنّه أذى لهنّ ، وفيه من القذارة التي يحب اللّه التطهير منها . فنسبة هذه الآية نسبة الشرح للآية السابقة فتكون مطلقة من حيث الزمان والمكان إلا ما نهى عنه الشرع المبين . فالآية واضحة في دلالتها على التوسعة ، فلا وقع للبحث عن أنّ كلمة ( أنّى ) زمانية أم مكانية ، بل هي بمعنى ما شاء لتشمل الجميع بقرينة عموم المشية وإطلاقها وعمومات الحلية والإباحة ، ولا نحتاج إلى أقوال اللغويين أو المفسرين وإعمال الترجيح بينها ، ولا فرق بين ملك الانتفاع المطلق ، والمنفعة المطلقة ، وملك الذات من هذه الجهة ، ويدل عليه قول جعفر بن محمد ( عليهما السلام ) : « لك أن تستمتع بكلّ جزء منك من كلّ جزء منها » . نعم ، هناك موارد استثناها القرآن الكريم ، والسنة المقدسة ، والفقهاء وتعرضنا لها في الفقه بما لا مزيد عليه . ومن تعليق الأمر بإتيان النساء على مشية المكلّفين واختيارهم يستفاد أنّ الأمر للإباحة دون الوجوب . كما يستفاد من تشبيه المرأة بالحرث في الآية الكريمة أمور : الأول : أنّ الإنسان يحتاج إلى الحرث لأنّه منشأ بقاء الحياة وحفظها ، كذلك النساء فإنّهنّ منشأ بقاء النوع ودوامه ببقاء النسل ، ولولاهما لنفذ النوع وزالت الحياة .